ابن كثير

157

البداية والنهاية

الناس وقباقيبهم ومناديل وعمائم لا يلتفتون إليها لشغلهم بالنظر إلى الجنازة ، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم وتارة يتأخر ، وتارة يقف حتى تمر الناس ، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها وهي شديدة الزحام ، كل باب أشد زحمة من الآخر ، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدة الزحام فيها ، لكن كان معظم الزحام من الأبواب الأربعة : باب الفرج الذي أخرجت منه الجنازة ، وباب الفراديس ، وباب النصر ، وباب الجابية . وعظم الامر بسوق الخيل وتضاعف الخلق وكثر الناس ، ووضعت الجنازة هناك وتقدم للصلاة عليه هناك أخوه زين الدين عبد الرحمن ، فلم قضيت الصلاة حمل إلى مقبرة الصوفية فدفن إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله رحمهما الله ، وكان دفنه قبل العصر بيسير ، وذلك من كثرة من يأتي ويصلي عليه من أهل البساتين وأهل الغوطة وأهل القرى وغيرهم ، وأغلق الناس حوانيتهم ولم يتخلف عن الحضور إلا من هو عاجز عن الحضور ، مع الترحم والدعاء له ، وأنه لو قدر ما تخلف ، وحضر نساء كثيرات بحيث حزرن بخمسة عشر ألف امرأة ، غير اللاتي كن على الأسطحة وغيرهن ، الجميع يترحمن ويبكين عليه فما قيل . وأما الرجال فحرزوا بستين ألفا إلى مائة ألف إلى أكثر من ذلك إلى مائتي ألف وشرب جماع الماء الذي فضل من غسله ، واقتسم جماعة بقية السدر الذي غسل به ، ودفع في الخيط الذي كان فيه الزئبق الذي كان في عنقه بسبب القمل مائة وخمسون درهما ، وقيل إن الطاقية التي كانت على رأسه دفع فيها خمسمائة درهما . وحصل في الجنازة ضجيج وبكاء كثير ، وتضرع وختمت له ختمات كثيرة بالصالحية وبالبلد ، وتردد الناس إلى قبره أياما كثيرة ليلا ونهارا يبيتون عنده ويصبحون ، ورئيت له منامات صالحة كثيرة ، ورثاه جماعة بقصائد جمة . وكان مولده يوم الاثنين عاشر ربيع الأول بحران سنة إحدى وستين وستمائة ، وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير ، فسمع الحديث من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر وابن عبدان والشيخ شمس الدين الحنبلي ، والشيخ شمس الدين بن عطاء الحنفي ، والشيخ جمال الدين بن الصيرفي ، ومجد الدين بن عساكر والشيخ جمال الدين البغدادي والنجيب بن المقداد ، وابن أبي الخير ، وابن علان وابن أبي بكر اليهودي والكمال عبد الرحيم والفخر علي وابن شيبان والشرف ابن القواس ، وزينب بنت مكي ، وخلق كثير سمع منهم الحديث ، وقرأ بنفسه الكثير وطلب الحديث وكتب الطباق والاثبات ولازم السماع بنفسه مدة سنين ، وقل أن سمع شيئا إلا حفظه ، ثم اشتغل بالعلوم ، وكان ذكيا كثير المحفوظ فصار إماما في التفسير وما يتعلق به عارفا بالفقه ، فيقال إنه كان أعرف بفقه المذاهب من أهلها الذي كانوا في زمانه وغيره ، وكان عالما باختلاف العلماء ، عالما في الأصول والفروع والنحو واللغة ، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية ، وما قطع في مجلس ولا تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفن فنه ، ورآه عارفا به متقنا له ، وأما الحديث فكان حامل رايته حافظا له مميزا بين صحيحه وسقيمه ، عارفا برجاله متضلعا من ذلك ، وله تصانيف كثيرة وتعاليق مفيدة في الأصول والفروع ، كمل منها جملة وبيضت